الحركة والنشاط أثناء الصيام الإسلامي عمل إيجابي وحيوي يزيد من كفاءة عمل الكبد والعضلات، ويخلص الجسم من الشحوم ويحميه من أخطار زيادة الأجسام الكيتونية الضارة.
كما أن الحركة العضلية تثبط من تصنيع البروتين في الكبد والعضلات وتتناسب درجة التثبيط مع قوة الحركة ومدتها، وهذا بدوره يوفر طاقة هائلة تستخدم في تكوين البروتين؛ حيث تحتاج كل رابطة من الأحماض الأمينية إلى مخزون الطاقة في خمسة جزيئات للأدينوزين والجوانين ثلاثي الفوسفات، وإذا كان كل جزئ من هذين المركبين يحتوى على كمية من الطاقة تتراوح من 5-10 كيلو كالورى، وإذا علمنا أن أبسط أنواع البروتين لا يحتوي الجزيء منه على أقل من 100 حمض أميني؛ فكم تكون إذن الطاقة المتوافرة من تكوين مجموعة البروتينيات المختلفة بأنواعها المتعددة؟
وفي أثناء الحركة أيضًا يستخدم الجلوكوز والأحماض الأمينية في إنتاج الطاقة للخلايا العضلية، وهذا بدوره يؤدي إلى تنبيه مركز الأكل، وذلك لوجود علاقة عكسية بين هذه المواد في الدم ودرجة الشبع وتنبيه مركز الأكل في الدماغ؛ لذلك فالحركة العضلية تنبه مركز الأكل وتفتح الشهية للطعام، كما أن الحركة والنشاط العضلي الزائد يحللان الجليوكين إلى جلوكوز في عدم وجود الأكسجين، وينتج من جراء التمثيل الغذائي للسكر الناتج من حمض اللاكتيك الذي يمر إلى الدم ويتحول بدوره إلى جلوكوز وجليكوين بواسطة الكبد؛ ففي العضلات لا يتحلل الجليوكين إلى جلوكوز في حالة السكون، كما في الكبد؛ وذلك لغياب أنزيم فوسفاتكز الجلوكوز. فالحركة إذن عامل هام لتنشيط استقلاب المخزون الجليوكوين العضلي إلى جلوكوز وتقديمه للأنسجة التي تعتمد عليه: كالمخ، والجهاز العصبي، وخلايا الدم، ولب الكلى.
كما يمكن أن تكون للحركة العضلية علاقة بتجديد الخلايا المبطنة للأمعاء فتحسن بذلك الهضم والامتصاص للمواد الغذائية؛ إذ تحتاج هذه الخلايا لحمض الجلوتامين لتصنيع الأحماض النووية، والذي تنتجه العضلات بكثرة أثناء الحركة.
ويتجدد شباب الخلايا المبطنة للأمعاء كل يومين إلى 6 أيام، وتفقد يوميًّا 17 بليون خلية، فيمكن أن تكون الحركة العضلية علاجًا لاضطرابات الهضم وسوء الامتصاص.
فلسفة الصوم من منظور علمي
إن فلسفة الصيام مبنية على ترك الطعام والشراب، وتشجيع آليات الهدم والعمليات الكيميائية الحيوية أساس في عملية التمثيل الغذائي، والنهار هو الوقت الذي تزداد فيه عمليات التمثيل الغذائي، وخصوصًا عمليات الهدم؛ لأنه وقت النشاط والحركة واستهلاك الطاقات في أعمال المعاش، وقد هيَّأ الله -سبحانه وتعالى- للجسم البشري ساعة بيولوجية تنظم هرمونات الغدد الصماء.
لذلك فقد يكون هذا أحد الأسرار التي جعل الله من أجلها الصيام في النهار وقت النشاط والحركة والسعي في مناكب الأرض، ولم يجعله بالليل وقت السكون والراحة.
ومن أجل هذا يمكننا أن نقول -وبكل ثقة-: إن النشاط والحركة أثناء الصيام يوفران للجسم من الجلوكوز المصنع أو المخزون في الكبد، وهو الوقود المثالي لإمداد المخ وكرات الدم الحمراء ونقى العظام والجهاز العصبي بالطاقة اللازمة لتجعلها أكثر كفاءة لأداء وظائفها، كما توفر الحركة طاقة للجسم البشري تُستخدم في عملياته الحيوية؛ فهي تثبط تكون البروتين من الأحماض الأمينية، وتزيد من تنشيط آليات الهدم أثناء النهار، فتستهلك الطاقات المختزنة، وتنظف المخازن من السموم التي يمكن أن تكون متماسكة أو ذائبة في المركبات الدهنية أو الأمينية.
هناك من ينام أثناء النهار ويسهر ليلاً؛ فهل لهذا تأثير؟
النوم أثناء النهار والسهر طوال ليل رمضان يؤدي إلى اضطراب عمل الساعة البيولوجية في الجسم؛ وهو ما يكون له أثر سيئ على التمثيل الغذائي داخل الخلايا.
ولقد أجريت دراسة أثبتت هذا الاضطراب على هرمون الكورتيزول، قام بها الدكتور "محمد الحضرامي" في كلية الطب بجامعة الملك بن عبد العزيز، وقد أجرى الدراسة على عشرة أشخاص أصحاء مقيمين خارج المستشفي، وأظهرت الدراسة أن أربعة منهم حصل عندهم اضطراب في دورة الكورتيزول اليومية، وذلك خلال الأسبوعين الأخيرين من شهر رمضان مع انقلاب النسب المعهودة في الصباح وفي منتصف الليل، فقد لوحظ أن المستوى الصباحي قد انخفض والمستوى المسائي قد ارتفع، وهذا على عكس الوضع الاعتيادي اليومي. وقد عزا الباحث هذا الاضطراب إلى تغير العادات السلوكية عند هؤلاء الصائمين الذين يقضون النهار في النوم والليل في السهر، وقد عاد الوضع الطبيعي للكورتيزول بعد 4 أسابيع من نهاية شهر الصيام، وبعد أن استقر نظام النوم ليلاً والنشاط نهارًا عند هؤلاء الأشخاص.
من أجل هذا كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) وصحبه والمسلمون الأولون يفرقون في الأعمال بين أيام الصيام وغيرها، بل قد يعقدون ألوية الحرب ويخوضونها صائمين متعبدين؛ فهل يتحرر المسلمون من أوهام الخوف من الحركة والعمل أثناء الصيام؟ وهل يهبون قائمين لله عاملين ومنتجين ومجاهدين مقتدين بنبيهم (صلى الله عليه وسلم) وسلفهم الصالح (رضوان الله عليهم)
_________________________________________
لا تقطع صديقا وان كفر، ولا تركن إلى عدو وان شكر
(عمر بن عبد العزيز)